اخبار محلية

وداد ابنة القائد الشهيد عدنان الحمادي ترثي والدها
684 قراءه

2020-02-14 00:38:31
69

 

كان اللقاء الأخير عند الساعة الحادية عشرة من صباح الثاني من ديسمبر، أذكر حينها عينيه الحائمتين في جنبات البيت، وأذكر آخر ما خطّت يداه "إنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها، عند التقلّب في أنيابها العطب".

لم تسعفني حينها سنواتي العشرينية في استشراف الآتي، ولم أدرك أنّ هذا المنتقى من شعر المتنبي كان وحياً منبئاَ بالموت المنتظر في تلك الليلة.

لم تزل لمسته الحنون على خدي متوقدة جداً، حاضرة أشدّ الحضور، كانت مشبعة بالحب وبالحزن معاً، وقد أدركت بعدها بقليل أنها عهد المحبة الأبدي من الأب المفارق للدنيا إلى يتيمه المشرف على وجع الحياة.

على صفحاتي الموشاة باشتباك المعاني والرسوم أستعيد طيفك على عتبات ذكرى الرحيل، وأقف صبياً مبهوتاً أمام منحوتة الوجع الأولى.

 شجاعاً كنت يا أبي حين خرجت إليهم مشرعاً قلبك لرصاصات حقدهم، وجبناء كانوا كقراد الخيل المذعورة تتوارى في ثقوب العار والعتمة.

جميلاً كنت يا أبتي.. في زيّك الحربيّ حين تعرّى الكثيرون وألقوا سلاحهم، ولاذوا بعوراتهم ليحفظوا أعناقهم، وتسربلوا الوداعة كربّات الحجال.

وطنياً كنت يا أبي حين تناهش الذئاب أشلاء الوطن، وأتوا على أنقاضه يبنون دولة أسيادهم عبيداً أدمنوا ذلّ الطاعة وألفوا طعم الهوان.

رائعاً كنت يا أبي.. تعتلي صهوة المنبر، تغني يمناً شعراً وتحلم به سيداً مستقلاً.

يا أبي الذي به أفتخر، وإليه أنتمي، وعلى قوته أتكئ حين تحاصرني الخطوب.

يا أبي الذي حرمني ظلّه مجهولو الآباء، وخلاصة الماء الملوث بخطايا التاريخ.

في ذلك اليوم من الثاني من ديسمبر ظنّ أولئك الجبناء أنهم اغتالوك، ولا يغتال الشمس الغمام الأسود، ولا تموت القصائد بسيف جبان.

في ذلك اليوم من الثاني من ديسمبر ظنّوا بأنهم قتلوك، وما قتلوا إلا أنفسهم، وحاضرهم، ومستقبلهم.

في ذلك اليوم من الثاني من ديسمبر سقطوا من عين الله والإنسان، وعلوت يا أبي شهيداً في سجلات الخلود.

سيظل عشب قبرك شاهداً على الحياة، وسيبقى الخزي ظلّهم ما بقي الدهر.

 

 

التعليقاتت
أضف تعليق
مصادر 24 قارئ إخباري مستقل حيث والمواد الواردة فيه لا تعبر عن رأي الموقع ولا يتحمل اي مسؤولية قانونية عنها  
جميع الحقوق محفوظة لدى مصادر 24